محمد أبو زهرة

1964

زهرة التفاسير

التهديد للذين يجحدون ويحاربون الرسالة الإلهية : وَقالَ نُوحٌ رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً ( 26 ) إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلَّا فاجِراً كَفَّاراً ( 27 ) [ نوح ] فذكره تذكير بتهديده ، واستجابة الله تعالى لدعائه . وقد ذكر سبحانه وتعالى نبيين من بعده في الزمان الطويل الذي كان بينه وبين إبراهيم أبى الأنبياء من بعده ، ثم قال سبحانه وتعالى من بعد : وَأَوْحَيْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَعِيسى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهارُونَ وَسُلَيْمانَ وقد ذكر سبحانه وتعالى كلمة « وَأَوْحَيْنا » لتأكيد الإيحاء ، وللإشارة إلى وجود فترة زمنية طويلة بين نوح عليه السلام وإبراهيم ، فإن التكرار في الذكر إيحاء إلى التباعد في الزمن ؛ ولأن هنا مفارقة بين الأنبياء الذين جاءوا بعد نوح ، والمذكورين ، لأن أولئك جميعا من ذرية إبراهيم وإن تفاوتت مراتبهم ، واختلفت أماكنهم . وإن القارئ يلاحظ أمرين : أولهما - أن كل نبي من هؤلاء الذين ذكرهم الله تعالى في هذا النص الكريم يختص بصفة ؛ فإبراهيم أبو الأنبياء ، وإسماعيل أبو العرب ، وإسحاق أبو أنبياء بني إسرائيل ومثله يعقوب ، وقد اختص بالصبر على فراق ولده ، وحبيبه ، والأسباط ، وهم أولاد يعقوب - عليه السلام - جمع سبط ، وهو ولد الولد - مثل للغيرة البشرية تعترى الشباب في فورته وحدته ، ثم يثوب إلى رشده بعد أن يكتمل عقله ، وتكتمل نفسه ، وقد أوحى الله تعالى إليهم ، وبلغوا مرتبة الأصفياء المهديين ، ولعل الوحي إليهم كان من قبيل الإلهام ، لأنه لم يكن لهم رسالات بشرائع خاصة ، وعيسى عليه السلام كان روحانيا في حياته كلها ، ولد من غير أب ، وعاش طول حياته يدعو إلى الروح ، والخروج من سلطان المادة ، فله بين الأنبياء خواصه ، وهو من البشر الذين خلقهم الله تعالى آية للعالمين ، وأيوب عليه السلام له صفة الصبر على المرض الأليم ، وقد قال تعالى فيه : وَأَيُّوبَ إِذْ نادى